خضير جعفر
120
الشيخ الطوسي مفسرا
لعاقل ، على أنّ الصبيان أعقل من البهائم ، ومع هذا فليسوا مكلّفين ، فكيف يصحّ تكليف البهائم ؟ « 1 » وقد تصدّى الشيخ الطوسي للمعتزلة ، وناقشهم في الآراء التي يختلفون فيها مع الإماميّة ، ودحض أدلّتهم التي أقاموها ليستدلّوا بها على بعض آرائهم ، وبيّن وجوه الخطأ في متبنياتهم بأسلوب عقلي ينمّ عن روح علميّة نزيهة موضوعيّة متناهية ، حيث لا ينكر عليهم شيئا إلّا بدليل ، ولا يعرض رأيا إلّا ويدعمه بحجّة من القرآن أو العقل ، فقال عند تفسيره لقوله تعالى : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ « 2 » واستدلّت المعتزلة بهذه الآية على أنّ فاسق أهل الصلاة مخلّد في النار ومعاقب لا محالة . فردّ الشيخ الطوسي قائلا : وهذا لا دلالة لهم فيه من وجوه ؛ لأنّ قوله وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ إشارة إلى من يتعدّ جميع حدود اللّه ، ومن كان كذلك فعندنا يكون كافرا ، وأيضا فلا خلاف أنّ الآية مخصوصة بصاحب الصغيرة ، وإن كان فعل المعصية ، وتعدّى حدا ، فإنّه خارج منها ، فإن جاز لهم إخراج الصغيرة منها بدليل جاز لنا أن نخرج من يتفضّل اللّه عليه بالعفو ، أو يشفع فيه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وأيضا ، فإنّ التائب لا بدّ من إخراجه من هذه الآية ، لقيام الأدلّة على وجوب قبول التوبة ، فكذلك يجب أن يشترط من يتفضّل اللّه بإسقاط عقابه ، فإن قالوا : قبول التوبة واجب ، والعفو ليس بواجب ، قلنا : قبول التوبة واجب وإن حصلت ، وكذلك سقوط العقاب واجب إذا حصل العفو ، فإن قالوا : يجوز أن لا يختار اللّه العفو ، قلنا : وكذلك يجوز أن لا يختار العاصي التوبة ، فإن جعلوا الآية دالّة على أنّ اللّه لا يختار العفو ، جاز لغيرهم أن يجعل الآية دالّة على أنّ العاصي لا يختار التوبة على أنّ هذه الآية معارضة بآيات كثيرة في وقوع العفو كقوله : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ « 3 » وقوله إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
--> ( 1 ) . الطوسي ، التبيان ، ج 4 ، ص 129 ، 130 . ( 2 ) النساء ( 4 ) الآية 14 . ( 3 ) . النساء ( 4 ) الآية 48 .